ملا محمد مهدي النراقي

432

انيس المجتهدين في علم الأصول

عمدا بصوم شهرين تحتّما ؛ لأنّ ذلك أزجر له عن المعاودة . الثالثة : ما لم يشهد له الشرع بالاعتبار ولا الإلغاء . وهذه إن كانت لها مفسدة راجحة أو مساوية ، كانت ملغاة . وإن خلت عنها أو كانت راجحة ، فقد اختلف في حجّيّتها وصلاحيتها لإثبات حكم شرعي بها ، فذهب أصحابنا « 1 » والحنفيّة والشافعيّة إلى عدم حجّيّتها « 2 » ، ونقل عن مالك القول بحجّيّتها حتّى قال : يضرب المتّهم بالسرقة محافظة على المال « 3 » . وأنكر أصحابه ذلك عنه « 4 » . لنا : أنّا نرى أنّ الشرع ألغى بعض المصالح واعتبر بعضها ، والمرسلة متردّدة بينهما ، وإلحاقها بأحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح ، فيجب الوقف عنها ، ولا يصحّ الاحتجاج بها . احتجّ الخصم بأنّ الشرعيّات مبنيّة على المصالح ؛ لأنّ الحكمة باعثة على رعايتها ، فإذا وجد في شيء مصلحة صافية أو راجحة ، يجب أن يكون مشروعا ؛ لتعلّق داعي الحكمة به . وبأنّ عدم اعتبارها يؤدّي إلى خلق قضايا كثيرة عن الحكم ؛ لعدم مساعدة الأدلّة المعروفة في الكلّ « 5 » . والجواب عن الأوّل : أنّ الحكمة باعثة على رعاية المصالح إذا قطع بخلوّها عن جميع المفاسد ، والمقدّر عدم القطع ؛ لما مرّ « 6 » . وظنّ الخلوّ لا يكفي ؛ لأنّه ليس من الظنّ المعتبر في الأحكام ، وهو الحاصل عن أمارة شرعيّة . وعن الثاني ظاهر . ثمّ اعلم أنّ الفعل إمّا أن يشتمل على مصلحة صافية ، أو مفسدة صافية ، أو عليهما « 7 » معا ، وهذه إمّا أن تكون مصلحة راجحة على مفسدته ، أو بالعكس ، أو مساوية لها . أو لا يشتمل

--> ( 1 ) . راجع معارج الأصول : 221 و 222 . ( 2 ) . حكاه الآمدي عن فقهاء الحنفيّة والشافعيّة في الإحكام في أصول الأحكام 4 : 167 ، والأسنوي في نهاية السؤل 4 : 286 . ( 3 ) . حكاه عنه المطيعي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 4 : 387 . ( 4 ) . حكاه الآمدي عن أصحاب مالك في الإحكام في أصول الأحكام 4 : 167 . ( 5 ) . حكاه المحقّق الحلّي عن مالك في معارج الأصول : 222 . ( 6 ) . مرّ آنفا . ( 7 ) . أي على مجرّد المصلحة والمفسدة بدون قيد « صافية » وإلّا يلزم التناقض .